اول الكلام

عامر بوعزة يكتب:الاحتفال بالتمكين

الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة ورد ذكرها في القرآن في أكثر من موضع مقترنة بالصلاة، على غرار قوله عزّ وجل في الآية 34 من سورة البقرة (وَأَقِیمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱركَعُوا مَعَ ٱلرَّ اكِعِین) ويقترن ذكرها في مواضع أخرى بالإيمان، الآية 55 من سورة المائدة (إِنَّمَا وَلِیُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا ٱلَّذِینَ یُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم رَا⁠كِعُونَ).
لكن رئيس بلدية الكرم لم يجد إلا الآية 41 من سورة الحج ليضعها على رخامة «صندوق الزكاة» وفيها يقول الله عزّ وجلّ (ٱلَّذِینَ إِن مَّكَّنَّـٰهُم فِی ٱلأَرضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ ٱلمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ).
يقول الطبري في تفسير قوله: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ﴾ إن وطنا لهم في البلاد، فقهروا المشركين وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله ﷺ.
وأورد ابن كثير في شرح هذه الآية قول عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِينَا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، فَأُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلَّا أَنْ قُلْنَا: “رَبُّنَا اللَّهُ”، ثُمَّ مُكنّا فِي الْأَرْضِ، فَأَقَمْنَا الصَّلَاةَ، وَآتَيْنَا الزَّكَاةَ، وَأَمَرْنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَيْنَا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، فَهِيَ لِي ولأصحابي.
ويقول فخر الدين الرازي (والمُرادُ مِن هَذا التَّمَكُّنِ السَّلْطَنَةُ ونَفاذُ القَوْلِ عَلى الخَلْق) ويذهب إلى أن المهاجرين هُمُ المقصودون بالآية لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهُمْ﴾ صِفَةٌ لِمَن تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ والأنْصارُ ما أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ، فَيَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ المُهاجِرِينَ بِأنَّهُ إنْ مَكَّنَهم مِنَ الأرْضِ وأعْطاهُمُ السَّلْطَنَةَ، فَإنَّهم أتَوْا بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، وهي إقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.


هل الآية مناسبة لرخامة تدشين «صندوق الزكاة» بالكرم؟ الإجابة حتما بالنفي، لأن مفهوم الزكاة في هذه الآية يندرج في سياق حربي يتعلق بالمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ثم انتصروا على المشركين وعادوا (مكناهم في الأرض) ولا يرتبط بالإيمان كما هو الأمر في سياقات قرآنية أخرى بل يتصل بالسلطة والنفوذ.
وبصرف النظر عن الجدل الدائر بخصوص مشروعية هذا الصندوق، يبدو اختيار هذه الآية بالذات غير بريء بل محملا برسائل عدة فهو يعيد المجتمع إلى سياق المواجهة ويستحضر فكرة الحرب فضلا عن اقتران الزكاة فيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إنه احتفال بالتمكين لا بالزكاة!

*عامر بوعزة، صحفي تونس بالدوحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.