الرئيسية / اول الكلام / السقوط “الفني” أصبح له اليوم إسم و عنوان

السقوط “الفني” أصبح له اليوم إسم و عنوان

كون لطفي العبدلي سمج ، متواضع الموهبة ، متطفّل على “الوان مان شُو” ، مسألة لا نقض فيها و لا إبرام . أما أن يتجاوز حدوده ببذاءاته و قلّة حيائه ، و يتخطّى كل الخطوط فتلك مسألة أخرى كما يقال..
و العبدلي المجبول على الرقاعة ، و الذي يطوي جُنُوبه على شهيّة محتدمة لدغدغة الغرائز السفليّة ، يُشهر بذاءته على الملأ Il revendique ses cochonneries بله و يباهي بذلك و يعدُّه مفخرة له يستمد منها جانبا من “وجاهته” الاجتماعية و “الفنية” . و يستعمل صاحبنا في بذاءته ( من مرادفات كلمة البذيء في العربية : الداعر و السافل و الشائن و الصفيق و قليل الحياء و القبيح و المتهتك و المنحل و الهابط و الوقح و السفيه…الخ. ) المقرفة و سخافاته المقززة ، بكل تعبيراتها و عباراتها المكشوفة الجارحة الخادشة للحياء و الذوق ، كل أنواع البلاغة من حقيقة و مجاز و تشبيه واستعارة و كناية . و الظاهر أنه يجد راحة بله متعة و هو يقذف بشتائمه و ايحاءاته الهابطة خصومه و منافسيه الشخصيين قبل أن يزاول المناولة في هذا المجال حديثا جدّا. و مصداق هذا أنه يصبح طلق العبارة متدفق الكلام في “تخميراته” بشهوانية إفتراسية . و بالتدريج اجترح أو صكّ لنفسه ، بعد طول مراس في هذا المضمار ، أسلوبا ، و “شخصية” و طابعا بلقلقته و فيهقته .هكذا أصبح “سي لطفي” ، الذي قذفته سخرية القدر إلى تصدّر المشهد المسرحي اليوم بلا منازع تقريبا ، يجسّد أسوأ مثال “للفنان” الذي يستدرّ هأهأة الجمهور (ها..ها..ها..) بسرد التفاهات و غثيث القول بإسلوب لا يدانيه فيه أحد . و على هذا الحد أصبح “فناننا ” مضرب المثل قي قلة الحياء و الصفاقة ، مكرسا بذلك أكبر وصمة بالتدهور و الانحدار للمشتغلين في مجال الفن الرابع النبيل جدّا.
و الحق أن الطفيليات ، من طراز العبدلي ، و التي بدأت بالتكاثر و التناسل ، قد ازدهرت بضاعتها منذ سنوات ليست بالقليلة في بيئة ملائمة ، من سماتها تفشي الغثاثة و السطحية في المجال الثقافي (كما في بقية المجالات كما هو معلوم ) و بتصحّر فكري و بتجريف شبه منهجي لكل ما هو جميل و جليل بحيث أصبح “كل شيء ” من حولنا ، بعد تهميش الثقافة و المثقفين و الفن و الفكر الرفيعين ..، “كل شيء قلنا ، يميت الذوق و يبلّد الحسّ و يقضي على الشعور بالجمال . و قد حرّض هذا الفراغ الرهيب أرباع الموهوبين ، و أنصاف المتعلمين و المهرّجين الفارغين ، لا سيما العناصر الفهلوية و الانتهازية و الوصولية من المتسلّقات على إهتبال الفرصة لملء الساحة و تأثيث المشهد إعتبارا الى أن الطبيعة تمقت الفراغ ، كما يقال . و بما أننا مجتمع أصبح فيه الفاشلون أخلاقيا هم الناجحون إجتماعيا خلا الجو للعناصر المارّ ذكرها و منها صاحبنا ليتصدّر المشهد و يحتلّ الصفوف الأمامية – كما ذكرنا – و يتحوّل إلى “سلطة ترفع و تضع ” . مثل هذه البيئة الموبوءة التي وصفنا هي التي جعلت العبدلي أحرى من الفنانين الحقيقيين (و الحقيقين بالتبجيل ) بالحظوة و الاهتمام . هكذا طفق إعلامنا البائس يخلع على العبدلي لقب “ملك الوان مان شٌو” . و غالبا ما يأتي إسمه مقرونا بلفظ “فنان” .
كان أجدر بالعبدلي – الذي آثر ركوب السهولة – التأسّي بالمعلّمين الكبار في مضمار “الضمار”. أولئك الذين يجترحون – بعد معاناة و مكابدة شاقة – النكت اللطيفة و النوادر المُستملحة ، مع خفّة للروح نادرة ، فضلا عن اللياقة و اللباقة . أولئك الذين علّمونا أن الفكاهة و الضحك فن بل فنون و ألوان . الفنان القدير توفيق الجبالي واحد من هؤلاء . رجل صاحب طبع مرح طروب و إحساس فني مرهف ، جرى في إبداعه الهزلي ، في كلّ لون ، و لكنه لم يكن يوما مهزارا أوعابثا يتلقف نوادره من الجمل الجاهزة . لقد كانت فكاهة الأمين النهدي و خاصة توفيق الجبالي طرازا من العبقرية الخلاقة المبدعة ، و كان الجبالي أقدر ما يكون على التلاعب باللفظ في ابراز النكتة أو الطرفة أو الملحة و إيراد المفارقة المضحكة . و هذا هو السرّ في بقاء نوادر “كلام الليل” جديدة رائعة بعد أن زالت ظروف نشأتها و مناسباتها. تراث جميل نفتخر به و نباهي .
نرجع الى مرجوعنا لنقول : هذه السطور هي كناية عن دعوة جهيرة لعزل الطفيليات ( من أمثال العبدلي ) فنيّا ، طفيلياتٌ ضارّةٌ تختزل أبشع ما في الرداءة و الضحالة من تدهور و انحطاط . و ما سقطة صاحبنا الأخيرة – و التي انتهت به إلى ما دون الحضيض – إلاّ مثال صادق على ذلك .
بقلم الدكتور فتحي ليسير، مؤلف كتاب دولة الهواة، المقال منشور على صفحته الرسمية

شاهد أيضاً

كيف تستفيد إسرائيل اقتصاديا من الاتفاق مع الإمارات؟

أظهر تقدير رسمي صدر عن الحكومة الإسرائيلية، الأحد، حجم الفائدة التي ستعود على إسرائيل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Powered by Live Score & Live Score App