الرئيسيةفي العالم

هل يربح عمران خان معركته أم تسقطه المعارضة؟

يواجه رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان أزمات عدة، بعضها سياسي والآخر اقتصادي، وتسعى المعارضة جاهدة لإزاحته من منصبه. لكن خان يؤكد وجود “مؤامرة غربية” للإطاحة به حتى لا تستقل بلاده بقرارها السياسي، حسب قوله.

لاتزال أصداء الأزمة السياسية العاصفة التي تضرب باكستان تتردد إلى اليوم، إذ تقود المعارضة في البلاد حملة شرسة للإطاحة برئيس الوزراء عمران خان من منصبه.

وتكثف المعارضة الباكستانية من جهودها لإنهاء ولاية خان قبل موعدها، وأعلنت أنها حشدت عدداً كافيا من الأصوات لتجريد خان من الأغلبية البرلمانية، لكنها فوجئت برفض نائب رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) في اللحظة الأخيرة قبول مقترح التصويت على حجب الثقة، بحجة أنه غير دستوري لأنه ناجم عن “تدخل أجنبي”.

وستعني إزاحة خان أو استقالته أن أي رئيس وزراء في تاريخ باكستان، لم يكمل فترة ولايته على الإطلاق، وهي خمس سنوات.

أزمة سياسية عاصفة

وبدأت مشاكل خان قبل أسابيع عندما هددت مجموعة من نواب “حركة إنصاف” المتمرّدين بالتصويت ضدّه، لكن ائتلافه الحاكم الهش كان يتفكك في جميع الأحوال. ووافق رئيس البلاد عارف علوي -أحد حلفاء خان- على طلبه بحل الجمعية الوطنية (البرلمان)، ما يترتب عليه إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في غضون 90 يوماً، بعد أن حاولت المعارضة نزع الثقة عن خان، وهو الإجراء الذي أوقفه نائب رئيس البرلمان.

لكن المحكمة العليا أبطلت قرار حل البرلمان وقضت بالتصويت على اقتراح المعارضة بسحب الثقة من خان، ما قد يكلفه على الأرجح منصبه.

واعتبرت أعلى محكمة في البلاد أن رفض نائب رئيس الجمعية الوطنية، الموالي لخان، طرح هذا الاقتراح للتصويت -والذي سمح لرئيس الحكومة بتجنّب إطاحته- “مخالف للدستور ومن دون مفعول قانوني”، ووجهت المحكمة إلى النواب دعوة إلى العودة في غضون يومين، في قرار قد ينهي رئاسة خان للحكومة بأسرع ما يمكن.

وقال شهباز شريف، زعيم المعارضة الباكستانية، إن حلفاءه رشحوه لمنصب رئيس الوزراء المقبل لو تمكنوا من الإطاحة برئيس الوزراء عمران خان، واعتبر زعيم المعارضة أنّ “قرار المحكمة أنقذ باكستان ودستورها. وزاد من شرف وكرامة المحكمة”.

وقال في تغريدة له إن قرار المحكمة صنع حقبة جديدة في تاريخ البلاد، مهنئاً “كل من أيد ودافع وناضل من أجل سيادة الدستور”. وقال إن القرار دفن ما أسماه بسياسة الأكاذيب والخداع والادعاءات، مضيفاً “لقد انتصر شعب باكستان! بارك الله في باكستان”.

 

على جانب آخر، قال علي ظفر محامي الرئيس عارف علوي، وهو حليف حزبي لخان، إن المحكمة يجب ألا تتدخل في الإجراءات البرلمانية. وأضاف أمام هيئة المحكمة العليا المكونة من خمسة قضاة “تقديري المتواضع هو أنه إذا بدأتم (القضاة) في مراقبة الشؤون البرلمانية فلن تكون هناك نهاية لذلك”.

وبينما تبدو المحكمة العليا مستقلة ظاهرياً، إلا أن ناشطين حقوقيين يشيرون إلى أنه سبق أن استخدمت حكومات مدنية وعسكرية قضاة في المحكمة لتمرير قرارات تتوافق مع مصالحها.

وتقول المعارضة إنها تريد انتخابات مبكرة، لكن بعد أن تلحق هزيمة سياسية بخان وتمرر تشريعاً تقول إنه مهم لضمان أن تكون الانتخابات المقبلة حرة ونزيهة. وقالت لجنة الانتخابات الباكستانية إن أقرب موعد يمكنها فيه إجراء الانتخابات هو أكتوبر. ووسط هذه الأجواء وابتعاد الكثير من أنصار خان عنه، فمن الواضح أنه أصبح لا يتمتع بأي فرصة للنجاة من اقتراح سحب الثقة المقبل.

رئيس الوزراء الباكستاني وسط حشد من مؤيديه في ناروال يؤكد عمران خان أن عناصر من المعارضة الباكستانية تتعاون مع الولايات المتحدة لإسقاطه وإبعاده عن منصبه

ويُنتظر لمعرفة إن كان لدى لجنة الانتخابات القدرة على تنظيم اقتراع في غضون 90 يوما، بينما أعربت مجموعة رقابة هذا الأسبوع عن “قلق بالغ” من احتمال اندلاع أعمال عنف. وأفادت “شبكة الانتخابات الحرة والمنصفة” أنها “حددت عدة تحديات دستورية وقانونية وعملية تواجه إجراء انتخابات مبكرة”. وأضافت “يمكن للإرباك العام والانقسامات السياسية التي برزت بالفعل كنتيجة لذلك أن تترجم إلى عنف”.

شعبية واسعة تتهاوى.. والأسباب اقتصادية

حظي أسطورة الكريكيت عمران خان بشعبية واسعة لفترة طويلة قبل أن تتراجع بسبب الوضع الاقتصادي المتدهور. وعلّق كثيرون آمالهم على خان عندما انتُخب عام 2018 بناء على تعهّده بالقضاء على عقود من الفساد المتجذّر والمحسوبية، لكنه واجه صعوبة في المحافظة على هذا الوعد في ظل ارتفاع مستوى التضخم وضعف الروبية وتفاقم الديون.

وخسر خان أغلبيته في البرلمان، بعدما تحولت جماعات موالية والعديد من النواب من حزبه إلى المعارضة. وأثيرت هواجس بشأن إمكانية أن يؤدي جمود طويل الأجل إلى تدخل الجيش، وهي خطوة يمكن أن تقوض الديمقراطية الهشة بالبلاد.

خان وبوتين في موسكو أثارت زيارة عمران خان لروسيا غضباً شديداً لدى حلفاء اسلام آباد

ورث خان وضعاً مالياً متأزماً، فاقمته الكثير من العوامل المحلية والدولية، ما أدى إلى تراجع شعبيته في الأشهر الأخيرة ودفع حلفاء له في الائتلاف الحاكم للانضمام للمعارضة لمحاولة الإطاحة به من المنصب.

وتمثل الأزمة مصدر قلق لصانعي السياسة الاقتصادية في باكستان، إذ تأتي وسط خطة إنقاذ مالي من صندوق النقد الدولي. وحذر خبراء اقتصاديون وحتى معارضون من خطر استمرار ارتفاع سعر الدولار مقابل العملة المحلية واقتراب ملامح انهيار اقتصادي شديد.

ولم يصل أيّ رئيس وزراء في باكستان إلى نهاية مدته القانونية في منصبه. وقد شهدت البلاد منذ استقلالها في 1947 أربعة انقلابات عسكرية أطاحت بالنظام، وعدداً مماثلاً تقريبا من محاولات الانقلاب الفاشلة. وظلّت لأكثر من ثلاثة عقود تحت حكم العسكريين.

تصرفات أثارت غضب الغرب

كان رئيس الوزراء الباكستاني قد أثار خان غضب الغرب بمواصلته زيارته لموسكو في اليوم الذي بدأت فيه روسيا غزو أوكرانيا، كما كان أيضاً أحد قادة الدول القلائل، الذين حضروا افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين التي قاطعها آخرون احتجاجاً على سجلّ الصين في مجال حقوق الإنسان.

وفي أعقاب عوته إلى إسلام أباد، وجّه خان كلمات حادة لممثلي الاتحاد الأوروبي بالقول: “لسنا عبيداً لكم”، وذلك على خلفية رسالة من سفراء الاتحاد الأوروبي طالبت الحكومة الباكستانية بإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا.

وتراجعت علاقات إسلام أباد مع واشنطن والدول الأوروبية، لا سيما تحت تأثير خطاباته اللاذعة ضد الإسلاموفوبيا التي “يعتبر أنها تتخفى في الغرب وراء ستار حرية التعبير”.

علاقة سيئة مع الولايات المتحدة؟

أيضاً، كثيراً ما وجه خان انتقادات شديدة لموقف واشنطن في كثير من القضايا الدولية، كما أنه صرّح في جوان عام 2021، لموقع “أكسيوس” الأمريكي أنّه لن يسمح على الإطلاق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية باستخدام قواعد في باكستان للقيام بعمليات في الداخل الأفغاني.

ويؤكد عمران خان أن الولايات المتحدة تقف وراء محاولة الإطاحة به “من خلال التآمر مع المعارضة” بسبب تحالفه مع موسكو وتقاربه مع الصين.

لكن في واشنطن نفى كل من البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية ما قاله خان بأن الولايات المتحدة تخطط لتغيير النظام في إسلام آباد.

وكتب خان مغرداً “أليس من الأفضل أن تقبل المعارضة الانتخابات بدلاً من أن تكون جزءًا من مؤامرة أجنبية لتغيير النظام والانغماس في الشراء الفاضح للولاءات مما يؤدي إلى تدمير النسيج الأخلاقي لأمتنا؟”

 

ومع الوقت بدأت العلاقات بين واشنطن وإسلام آباد تتوتر، ما مثل قلقاً لدى بعض المحللين السياسيين، خاصة وأن واشنطن تمثل مورداً رئيسياً للأسلحة في مقابل توريد روسيا للأسلحة إلى الهند، كما أكد الخبراء أنه سيتعين على الحكومة الباكستانية المقبلة العمل بجد لإصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة. وقال المحلل السياسي توصيف أحمد خان إن “الحكومة المقبلة… تحتاج إلى بذل جهد جاد لإصلاح الأضرار”.

في الوقت نفسه، هدّأ قائد الجيش الجنرال قمر جاويد باجوا من تلك المخاوف بقوله إن العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة لا تزال على رأس اهتمامات باكستان

يذكر أن واشنطن منحت إسلام آباد وضع “حليف استراتيجي من خارج الناتو” بعد المساعدات الكبيرة التي قدمتها باكستان للولايات المتحدة خلال غزوها لأفغانستان، ووفقاً لهذا الوضع الخاص تحصل باكستان على مجموعة متنوعة من المزايا العسكرية والمالية التي لا يمكن أن تحصل عليها الدول الأخرى غير الأعضاء في الحلف.

خطورة تدهور العلاقة مع الجيش 

وقالت مريم نواز، وهي زعيمة بارزة في المعارضة، إن على الجيش أن يوضح ما إذا كان قد أبلغ اجتماعاً أمنياً رفيع المستوى بأن الولايات المتحدة تآمرت مع المعارضة للإطاحة بالحكومة، كما قال خان. وأضافت: “عمران خان استغل لجنة الأمن القومي لتحقيق مكاسب سياسية”.

ولم يؤكد الجيش أو ينفي اتهام خان، لكن مسؤولاً على علم بالأمر طلب عدم الكشف عن هويته قال لرويترز إن الأجهزة الأمنية لم تجد أدلة موثوقة تؤكد شكوى خان.

و يعانى عمران خان من تدهور علاقاته مع الجيش الذي اتُهم بالتدخل لصالحه خلال انتخابات 2018، بسبب تعيين رئيس جديد لجهاز الاستخبارات العام الماضي، رغم أنه يبدو من غير المرجح أنه كان بإمكانه البقاء في السلطة دون موافقة ضمنية من الجيش الذي يحظى بنفوذ كبير في البلاد بغض النظر عن توجهات الحكومة.

وباكستان هي واحدة من الديمقراطيات القليلة بين الدول ذات الأغلبية المسلمة. وعلانية، يبدو الجيش وكأّنه ينأى بنفسه عن الخلافات السياسية الحالية، لكن البلاد ذات التاريخ القصير شهدت أربعة انقلابات عسكرية منذ استقلالها عام 1947 وعاشت أكثر من ثلاثة عقود في ظل حكم الجيش.

عمران خان وإلى جانبه عمر جاويد رئيس أركان الجيش الباكستاني يعانى عمران خان من تدهور علاقاته مع الجيش الذي اتُهم بالتدخل لصالحه خلال انتخابات 2018

تحديات أمنية واقتصادية

وأيّاً كان رئيس وزراء باكستان المقبل، فإنه سيواجه تحديات كبيرة. يقول مدير معهد البحوث التاريخية والاجتماعية البروفسور جعفر أحمد إن الحكومة المقبلة ستحتاج إلى خوض “تحديات متعددة على مستوى العلاقات الداخلية والخارجية” بحسب ما صرح لوكالة الانباء الفرنسية.

وتواجه باكستان مشكلة في تراكم الديون وتسارع التضخم وضعف العملة الوطنية “الروبية”، ما أدى إلى ركود النمو مدى السنوات الثلاث الماضية مع احتمال ضئيل لحصول تحسن حقيقي. وقال نديم الحق نائب رئيس المعهد الباكستاني لاقتصادات التنمية، وهو منظمة بحثية في إسلام أباد، “فقدنا البوصلة”. وأضاف “هناك حاجة لإصلاحات سياسية جذرية لتغيير مسار الاقتصاد”، بحسب الوكالة الفرنسية.

أيضاً، لم تستكمل باكستان تلقي حزمة الدعم التي قدمها صندوق النقد الدولي بقيمة ستة مليارات دولار ووقعها خان عام 2019، لأن الحكومة تراجعت عن اتفاق حول خفض أو إنهاء دعم سلع معينة وتحسين الإيرادات وتحصيل الضرائب. واعتبر رئيس مجلس الأعمال الباكستاني إحسان مالك أن “حزمة صندوق النقد الدولي يجب أن تستمر”.

ومن المشكلات الأمنية الكبرى والتي تصاعدت مؤخراً، ارتفاع وتيرة عمليات “حركة طالبان باكستان”، وهي حركة قائمة بذاتها تشترك في جذورها مع الحركة الأصولية التي تولت السلطة في أفغانستان العام الماضي. وهددت الحركة بشن هجوم واسع على القوات الحكومية خلال شهر رمضان، واتُّهمت في السابق بالمسؤولية عن سلسلة هجمات دامية.

وحاول عمران خان ثني المتشددين عن ممارسة العنف، لكن المحادثات مع مقاتلي حركة طالبان باكستان لم تنجح العام الماضي قبل انهيار هدنة استمرت شهراً. ويرى الخبراء أنه لا توجد حلول سهلة في هذا الملف؛ حتى بالنسبة إلى الحكومة المقبلة. وقال المحلل السياسي رفيع الله كاكار: “تحدي التمرد سيبقى كبيراً ومهماً للحكومة الجديدة”.

أما في بلوشستان الغنية بالمعادن، أكبر ولايات باكستان، فيطالب الانفصاليون منذ أعوام بتعزيز الحكم الذاتي ونصيب أكبر من الثروة، في حين تعاني المنطقة من اضطرابات طائفية وعنف جماعات إسلامية. واقترح كاكار نهجا من شقين يشمل “تدابير بناء ثقة ومصالحة سياسية” في بلوشستان، وتشديد التعامل مع طالبان “مرة واحدة وإلى الأبد”.

المصدر:DW

عماد حسن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.